10
ابريل
2016
مليوصة يحسين الصافي !! ...............................فالح حسون الدراجي
نشر منذ Apr 10 16 am30 11:32 AM - عدد المشاهدات : 63


في سبعينيات القرن الماضي، كان صديقنا العزيز، الشاعر التقدمي الشهيد ذياب گزار (أبو سرحان)، يردد لازمتين دائمتين، لاسيما حين ينتشي بما يشربه من (نبيذ الشمس)!!
الأولى كلمة (يردلي).. ويردلي تعني عند أبي سرحان (إنلاصت) وهذه يطلقها بصوت مسموع عندما يعبر(النُص)!!
أما الثانية، فقد كان يلقيها على شكل سؤال يوجهه لأصدقائه عندما يكون في (الرُبع) الأول من الإنتشاء والإحتساء، يعني قبل ما تنلاص!
والسؤال هو: (شلون الوضع بالبحرين)، وهذه الجملة، ليس لها معنى محدد عند أبي سرحان، ولا يقصد بها قصداً معيناً. لكن أصحابه المقربين منه يفهمون الحالة التي فيها صاحبهم، ويدركون أنه يبحث عن شيء لا يعرفه.. أو ربما لا يريد أن يعرفه إطلاقاً، لذلك كان جوابهم يأتي واحداً من كل الحاضرين: (مليوصة يحسين الصافي)!!
فيضحك أبو سرحان، ويقول: لا لا.. بعد بيها مجال !!
وإذا كان ابو سرحان (العبقري) في الشعر والوعي والثقافة والرأي، والشجاعة (التي أختبرت عنده في أكثر من موقف وكان متفوقاً فيها)، مثلما كان متفوقاً في إشراقات الجمال الروحي، والقيمي، والسلوكي، ونبل المودة لأصحابه ورفاقه وزملائه، فإنه كان أيضاً لامعاً في التفكير بصوت عال، حتى وهو غارق في عتمة صمته المتجلي بالروعة، والإنعزال السحري اللذيذ..
لقد تذكرت أبا سرحان "اليوم" بسرياليته، ولازمتيه الدائمتين، وإنفعالاته الوجدانية الباهرة، وخوفه المشروع على بلاده، وعلى رفاقه من قسوة المصير المجهول. تذكرته وهو يصرخ بكل ما فيه من وجع: (يردلي)!
وتذكرت مأساة أستشهاده في بيروت غدراً، على يد مجرمي قوات الكتائب، عند الإجتياح الصهيوني الأسود. نعم تذكرت كل هذا الألم في ذات اليوم الذي يفترض فيه ان يكون يوماً بهيجاً ومفرحاً للجميع!! أليس "اليوم السبت" هو يوم الحرية (المفترض)، والذي سقط فيه نظام صدام الدكتاتوري، الجاثم على صدور العراقيين خمسة وثلاثين عاماً، فلماذا ينتابني هذا الشعور بالحزن والوجع والأسى في يوم (العيد)؟!
والجواب: لأن ثمة امراً ما يضطرم، يعني (يحوس) في روحي، وهذا الأمر ينبئ بجلل عظيم، خاصة وأن هناك مقدمات سياسية وإقتصادية وأمنية، توحي بهذا الجلل.. فتجعلني في خوف وقلق وحزن ووجوم، رغم فرح التاريخ والمناسبة، اللذين تذكرت فيهما صديقي أبا سرحان.
إن سؤاله: (شلون الوضع بالبحرين) الذي يبدو لمن لا يعرفه، فارغاً من كل قصد ومعنى، بينما هو مكتنزٌ بالمعاني كلها، كان تلخيصاً حقيقياً واعياً للحالة الرمادية التي كان يعيشها العراقيون عموماً، والمثقفون اليساريون خصوصاً.. إذ كانت الأمور آنذاك تبدو ظاهرياً جيدة.. والبلاد تبدو مستقرة في ظل (الجبهة الوطنية والتقدمية)، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماماً.. فالبلاد كانت واقفة على كف عفريت، والأمور تغلي في الأعماق، ولا أحد يدرك مدى الخطورة القادمة، أو يدري متى يتفجر البركان، غير أن أبا سرحان كان يرسل إشاراته اللاسلكية عبر محطات الوجع التي تنفتح بعد (الربع الثاني)، فيضع المحبون أيديهم على قلوبهم خوفاً على العراق والعوائل العراقية.. لذا فإن: (شلون الوضع بالبحرين) تعني شلون الوضع في المجهول، وتعني ماذا يدور في (البحرين) أو ماذا يدور في الخفاء، أو خلف الكواليس، وليس الوضع في أمارة البحرين!! وبالفعل فقد تأكدت مخاوف أبي سرحان، وتحققت نبوءته (اليردلية)، وصحت توقعاته.. فها هو المجرم صدام حسين وخلفه (الحزب القائد) يرتكبان جريمتهما الغادرة بحق الشيوعيين (الحلفاء)، وكانت حمامات الدم البعثية تقام في كل مدن العراق، فخسر بذلك أبو سرحان (الذي تمكن من الهرب) أعز رفاقه، وأصدقائه في تلك الأيام السود..
كان الرمادي نذير شؤم (وأقصد اللون الرمادي وليس المدينة طبعاً)، ومصدر قلق للجميع، وأظن أن اللون الرمادي يخيف الناس أكثر من السواد المطلق، فاللون الأسود واضح ومعروف، ويستطيع الناس تداركه قبل وقوعه، خاصة وأنه يهرب امام أصغر شمعة في الوجود، بينما اللون الرمادي الذي يعيشه العراقيون هذه الأيام، مرعب ومخيف ومفترس.. فالعراقيون لا يعرفون ماذا يخبئ لهم هذا (الرمادي) تحت أبطيه من كوارث.. إنه كمرض السرطان الذي يأتي دون مواعيد..
نعم هذا هو حال العراقيين اليوم في ظل حالة الإنتظار المخيفة.. وأظن أن العراق قد تجاوز مرحلة السؤال عن الوضع بالبحرين، ودخل مرحلة (اليردلي)، التي تعني (مليوصة يحسين الصافي).. وإلاَّ فمن منا -بدءاً من الدكتور حيدر العبادي، وإنتهاءً بالشرطي حيدر الوحيلي- يقدر أن يعطي للعراقيين صورة بسيطة عن يوم غد، شرط ان تكون الصورة صحيحة.. ومن يعرف بطل الفيلم خلال الإسبوعين المقبلين، لاسيما وإن في الساحة اليوم اكثر من بطل فيلم، وأكثر من فارس مقنع، وأكثر من منقذ.. بس مو منقذ شريدة (النحات)!!



صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
معلومات قد تهمك