22
يناير
2018
عنوان البحث : الملك الرحيم اخر ملوك البويهين في بغداد
نشر منذ 8 شهر - عدد المشاهدات : 153


اعداد الباحث 

حكيم هويدي شجر 

خريج كلية الاعلام 




الملك الرحيم اخر ملوك البويهين في بغداد

 استقلَّت الدولة البويهية في مطلع القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي بعض الأُسَر الحاكمة في المشرق الإسلامي عن الخلافة العباسية، وأقامت لها دولاً في مناطق نفوذها، وكان لاستقلال هذه الدول أثر كبير في تطوُّر الحركة الفكرية في بلاد المشرق، حيث ظهرت هناك مراكز ثقافية جديدة أصبحت تُنافِس حاضرة الخلافة العباسية بغداد وكانت الدولة البويهية في طَلِيعة الدول المستقلَّة التي عملت على تشجيع الحركة الثقافية داخل البلاد الخاضعة لها، وحرصت هذه الدولة على جَعْلِ المدن الخاضعة لها مراكز للحضارة الإسلامية في المشرق؛ وذلك باستقطاب العلماء من مختلف البلاد الإسلامية، وإغداق الأموال عليهم، وتقليدهم بعض المناصب، وتمكينهم من العمل داخل بلاط الدولة، وبرز من بين هؤلاء نخبةٌ من المؤرِّخين الذين استفادوا من وجودهم قرب مركز صنع القرار السياسي في الدولة، والاطِّلاع على وثائقها الرسمية لتدوين الأحداث عند وقوعها، ممَّا أكسب رواياتهم ميزة المعاصرة للأحداث والمشاهدة عن كثَب، وخاصة أن بعضهم كان ذا حظوة عند بعض أمراء الدولة البويهية، كما أن بعضهم الآخر كان مقرَّبًا من وزرائها، ولهذا كله أصبحت مصنفاتهم التاريخية ذات أهمية خاصة، ليس عند دراسة تاريخ الدولة البويهية فحسب، بل عند دراسة تاريخ المشرق الإسلامي بصفة عامَّة، حيث لا يمكن لأي باحث في هذه المنطقة الاستغناء عن هذه المصنفات وعندما نستعرض أسماء مؤرخي البلاط في الدولة البويهية نلحظ أن ثلاثة من هؤلاء المؤرِّخين ينتمون إلى أسرة واحدة هي أسرة الصابئ وهم: (ثابت بن سنان، وإبراهيم بن هلال، وهلال بن المحسن)، فكان بعضهم بارعًا في مهنة الطب، وقادتْهُم هذه المهنة إلى البلاط البويهي، حيث عملوا في خدمة فئة من أمراء الدولة البويهية ووزرائها، فكان هذا أحد العوامل الذي مكَّن أفراد أسرة الصابئ من البقاء مُدَّة طويلة في البلاط البويهي، فعاصروا أحداث هذه الدولة عن قرب، وكانوا شهود عيان لها الذي صنَّف مؤلفات شتَّى، (مسكويه(ونذكر كذلك من بين مؤرخي البلاط البويهي المؤرِّخ  وأبدع في كثيرٍ من العلوم، والتحق هذا المؤرِّخ في بادئ الأمر بالوزير البويهي أبي الفضل ابن العميد، فلمَّا ذاعت شهرته انتقل إلى خدمة بعض أمراء البويهيين، ولذلك أصبح معاصرًا لأحداث هذه الدولة، فكانت رواياته التاريخية عنها في غاية الأهمية لِمَن جاء بعده من المؤرِّخين وتولى بعد أبي كاليجار ولده أبو نصر الملقب بالملك الرحيم، ولكن لم تطل أيامه، فقد دخل طغرلبك بغداد سنة 447 واستولى عليها، وقبض على الملك الرحيم، وسجنه في إحدى القلاع، وانتهى به ملك البويهيين الذي امتد من سنة321هجري إلى سنة 447 . والسبب الأول لانهيار دولتهم وزوالها على أيدي السلجوقيين شغلهم بالحروب الخارجية والداخلية، بخاصة بين أمراء البيت البويهي بعضهم مع بعض حول الملك هذا ملخص تاريخ ملوك بني نويه، وقد أشرنا في مطاوي الحديث عنهم إلى اهتمامهم بالعلوم والآداب، ونعطف على ما قدمناه ما جاء في كتاب «مختصر تاريخ العرب لقد شجع البويهيون الروح الأدبية في البلاد، وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحل شأنها في أثناء تدهور الخلافة. وحفروا الجداول وهيأوها إلى الملاحة، حتى مدينة شيراز، فأزالوا بذلك خطر الفيضانات الدورية التي كانت تغمر المناطق، كما شيد عز الدولة مستشفى فخماً، وفتح عدة كليات في بغداد وجاء في كتاب «الأدب في ظل بني بويه» للغناوي امتاز عهد آل بويه بالخصب العلمي والأدبي بتأثيرهم الخاص، أو بتأثير وزرائهم .

 


الاطار النظري

الفصل الاول

المبحث الاول

اولا :- مشكلة البحث :-

 برزت مشكلة تولى أبي كاليجار ولده أبو نصر الملقب بالملك الرحيم وزدادت المشاكل في العائلة البويهية الحاكمة لذلك  لم تطل أيامه فقد دخل طغرلبك بغداد سنة 447 واستولى عليها، وقبض على الملك الرحيم، وسجنه في إحدى القلاع، وانتهى به ملك البويهيين الذي امتد من سنة 321هجري إلى سنة 447 والسبب الأول لانهيار دولتهم وزوالها على أيدي السلجوقيين شغلهم بالحروب الخارجية والداخلية، بخاصة بين أمراء البيت البويهي بعضهم مع بعض حول الملك وتاتي هذه الدراسة لتوضح الفترة الزمنية التي ازدهرت بها الدولة البويهية والملك الرحيم .

 

ثانيا :- اهمية البحث :-

تبرز اهمية البحث في اهتمام الدولة البويهية على تشجيع الحركة الثقافية داخل البلاد الخاضعة لها وحرصها الدولة على جَعْلِ المدن الخاضعة لها مراكز للحضارة الإسلامية في المشرق؛ وذلك باستقطاب العلماء من مختلف البلاد الإسلامية، وإغداق الأموال عليهم، وتقليدهم بعض المناصب، وتمكينهم من العمل داخل بلاط الدولة، واعتبار هذه الستراتيجية في العمل عنصر هام في تقوية الدولة ثقافيا وبرز من بين هؤلاء نخبةٌ من المؤرِّخين الذين استفادوا من وجودهم قرب مركز صنع القرار السياسي في الدولة، والاطِّلاع على وثائقها الرسمية لتدوين الأحداث عند وقوعها، ممَّا أكسب رواياتهم ميزة المعاصرة للأحداث والمشاهدة عن كثَب، وخاصة أن بعضهم كان ذا حظوة عند بعض أمراء الدولة البويهية، كما أن بعضهم الآخر كان مقرَّبًا من وزرائها، ولهذا كله أصبحت مصنفاتهم التاريخية ذات أهمية خاصة، ليس عند دراسة تاريخ الدولة البويهية فحسب، بل عند دراسة تاريخ المشرق الإسلامي بصفة عامَّة، حيث لا يمكن لأي باحث في هذه المنطقة الاستغناء عن هذه المصنفات .

 



ثالثا :- منهج البحث .

 

قدم الباحث في هذه الدراسة سيرة وانجازات الملك الرحيم اخر ملوك الدولة البويهية في بغداد مع لمحة مختصرة عن الدولة البويهية، وأشار إلى أهم مظاهر اهتمام أمرائها بالحياة العلمية، ثم أتحدث عن مؤرخي البلاط، مع مراعاة التسلسل التاريخي أثناء الحديث عنهم، حيث يتضمَّن ذلك الإشارة إلى حياة الملك الرحيم ونشأته، والأعمال التي تقلَّدها قبل تسنمه منصب الحكم  بالدولة، والعوامل التي ساعدته على الوصول إلى ذلك.

 

رابعا :- اهداف البحث :-

 

1.تسليط الضوء على فترة مهمة من حياة الامة الاسلامية .

2.اظهار الدور الحضاري والنهضة الفكرية والثقافية في الحكومة البويهية .

3. التعريف بالملك الرحيم انجازاته وفترة حكمه والمعوقات التي واجهت حكومة .

4. توضيح وبيان المرحلة التي نهضت بها الحكومة البويهية في العراق وايران .

5.ابراز اهم الاهداف التي تحققت في حكومة البويهين والمكاسب العلمية والثقافية .

6.اعطاء شرح مختصر عن الحكام البويهين قبل مرحلة الملك الرحيم وكيفية تسلمهم الحكم.

 

خامسا :- تساؤلات البحث :-

السؤال الاول :- من هو الملك الرحيم ؟

السؤال الثاني :- كم فترة حكم الملك الرحيم ومكان نفوذ حكومة ؟

السؤال الثالث :- كيف استطاع الملك الرحيم استقطاب العقول والكتاب والمفكرين لحكومة ؟

السؤال الرابع :- كيف انهار الحكم البويهي بعد عزل الملك الرحيم ؟

بعد هذه التساؤولات سوف يجيب الباحث عنها بالتفصيل في مراحل وفصول هذا البحث

 

 






الفصل الثاني

المبحث الاول 

اولا :- الملك الرحيم ، اسمه ونبسه وعائلة .

وتولى بعد أبي كاليجار ولده أبو نصر الملقب بالملك الرحيم، ولكن لم تطل أيامه، فقد دخل طغرلبك بغداد سنة 447 واستولى عليها، وقبض على الملك الرحيم، وسجنه في إحدى القلاع، وانتهى به ملك البويهيين الذي امتد من سنة321هجري إلى سنة 447 . والسبب الأول لانهيار دولتهم وزوالها على أيدي السلجوقيين شغلهم بالحروب الخارجية والداخلية، بخاصة بين أمراء البيت البويهي بعضهم مع بعض حول الملك هذا ملخص تاريخ ملوك بني نويه، وقد أشرنا في مطاوي الحديث عنهم إلى اهتمامهم بالعلوم والآداب، ونعطف على ما قدمناه ما جاء في كتاب «مختصر تاريخ العرب» للسيد مير علي ص 262 طبعة 1938 لقد شجع البويهيون الروح الأدبية في البلاد، وعضدوا مدرسة بغداد التي كان قد اضمحل شأنها في أثناء تدهور الخلافة. وحفروا الجداول وهيأوها إلى الملاحة، حتى مدينة شيراز، فأزالوا بذلك خطر الفيضانات الدورية التي كانت تغمر المناطق، كما شيد عز الدولة مستشفى فخماً، وفتح عدة كليات في بغداد وجاء في كتاب «الأدب في ظل بني بويه» للغناوي ص 127 طبعة 949: «امتاز عهد آل بويه بالخصب العلمي والأدبي بتأثيرهم الخاص، أو بتأثير وزرائهم، ذلك أنهم استوزروا أبرع الكتاب وأبرزهم، واعتمدوا عليهم في تدبير شؤون الحرب وأمور السياسة والإدارة والمال (1).

__________________________________
1. آثار البلاد وأخبار العباد - بيروت، 1380هـ/ 1960،ص 48

 

فلمعت اسماؤهم، وعظمت هيبتهم، وطار صيتهم في الآفاق، فقصدهم أهل العلم والأدب، فأفادوا منهم كثيراً، وأنتجوا كثيراً في ميدان الأدب والفلسفة والعلم، فكان أثرهم في الحياة الفكرية قوياً جداً ربما فاق أثر أسيادهم، أي الخلفاء العباسيين أما مناصرتهم لمذهب التشيع فقد ذهبوا فيه إلى أقصى حد، وكان الغالب في بغداد عاصمة الدولة مذهب التسنن قبل البويهيين، وبعدهم نما فيها مذهب التشيع، وانتشر. قال ابن الأثير في حوادث سنة 352: في هذه السنة أمر معز الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم في عاشر المحرم، وأشعلت النيران بمجلس الشرطة، وفتحت الأسواق ليلاً، كما يفعل في ليالي الأعياد كل ذلك فرحاً بعيد الغدير وقال في حوادث سنة 389 إن أهل السنة عملوا يوم 26 من ذي الحجة زينة وشعائر الحزن يوم عاشوراء، بل كانوا يبذلون جهدهم في خدمة أهل البيت بشتى الوسائل، وكانوا يحترمون علماء شيعة اهل البيت عليهم السلام  بجميع طرق الاحترام من التبجيل والعناية، وبذل الأموال الكثيرة، وقد كان عضد الدولة يركب في موكبه العظيم، لزيارة الشيخ المفيد كما أن آل بويه أسكنوا الشيعة في المشاهد المقدسة، وخصصوا لهم الرواتب. وأقاموا الأبنية الضخمة، وعليها القباب الرفيعة لتلك الأضرحة الكريمة، حتى أن عضد الدولة أقام في المشهد العلوي هو وجنده قريباً من سنة، ليشرف على تعمير القبر الشريف بنفسه، وبنى حوله الدور والرباطات، وأجزل للعلويين العطاء، وللمجاورين، والخدمة، وأوجد القناة المعروفة بقناة آل بويه، وفعل مثل ذلك في المشهد الحسيني بكربلاء، ومن المؤرخين من اعتراف بانتشار التشيع في عهد البويهيين، وتكثر الشيعة في دولتهم(1).

________________________________

1.المصدر السابق ، ص 57.

 

الفصل الثاني  

المبحث الثاني  

اولا :- بداية حكم الملك الرحيم (ومن كان قبله )

وأول من ملك من البويهيين علي بن بويه، أكبر أولاد أبي شجاع، وكان يلقب بعماد الدولة، وكان ابتداء سلطانه في شيراز عام 321 هجري، ثم امتد إلى إيران والعراق، وغيرها من بلاد بني العباس قال آدم متز في الجزء الأول من «الحضارة الإسلامية» ص 35 وما بعدها طبعة ثالثة كان سبب ارتفاع علي بن بويه سماحته وشجاعته، وسعة صدره، وحسن سياسته، فمن ذلك انه استمال الحسين بن محمد الملقب بالعميد. ولاطف قواد مرداويج، وأفضل عليهم، حتى أوجبوا طاعته، وكان ذا فضل يتسامع به الناس، فيميلون إليه، فلا عجب إذن أن يسهل عليه الانتصار، على جيش الخليفة، حتى استولى على جنوب إيران، وكان بنو بويه إلى جانب هذا يحسنون معاملة الأسرى، ويعفون عنهم، ويؤمنونهم من جميع ما يكرهون، حتى يطمئنوا إليهم، على حين كان اعداؤهم يعدون للأسرى قيوداً وبرانس ليشهروهم بها، ولقد ظفر علي بن بويه بأعداء له، معهم هذه الآلات، فعدل عن العقاب إلى العفو، وابتعد عن الطغيان. وهو الذي يرجع إليه الفضل فيما بلغه بيت بني بويه من قوة وعزة وقال ابن الأثير في حوادث 322: حين استولى علي على شيراز نادى في الناس الأمان، وبث العدل. وقد ساعده الحظ في أمور، منها أن الجند طلبوا أرزاقهم منه، ولم يكن عنده ما يعطيهم، فكاد ينحل أمره،(1).

__________________________________

1. .  الصابئ، أبوالحسين ، هلال بن المحسن (ت 448هـ/ 1056م ص 60.

 وأصابه غم شديد، فبينما هو مستلقٍ على ظهره، وقد خلا للفكر والتدبير إذ رأى حية، قد خرجت من موضع في سقف الغرفة، ودخلت في ثقب، فخاف أن تسقط عليه، فدعا الفراشين، ففتحوا الموضع، فرأوا وراءه باباً، فدخلوه إلى غرفة أخرى، فوجدوا فيها عشرة صناديق مملوءة مالاً ومصاغاً، فانفقه في رجاله، وثبت ملكه بعد أن أشرف أمره على الانحلال وأراد ذات يوم أن يفصل ثياباً، فدلوه على خياط لياقوت حاكم شيراز الأسبق، فحضر الخياط خائفاً، وكان أصم، فقال له عماد الدولة: لا تخف إنما احضرناك، لتفصل لنا ثياباً، فلم يفهم ما قال، وحلف الخياط بالطلاق، والبراءة من دين الإسلام أن الصناديق التي أودعها عنده ياقوت ما فتحها، وما أخذ شيئاً منها، فتعجب عماد الدولة من ذلك، وأمره بإحضار الصناديق، فأحضرها، وكانت ثمانية صناديق، فيها مال وثياب وفي هامش ابن الأثير ج 6 ص 333 طبعة 1353 هجري «توفي بشيراز عن سبع وخمسين سنة، ولم يكن له ولد ذكر، وكانت مدة ملكه ست عشرة سنة، وكان من خيار الملوك في زمانه، وممن حاز قصب السبق دون أقرانه (1).

 

 

 

 

 

________________________________

1.المصدر السابق ، ص 49.

 

ثانيا :-حكم ركن الدولة ومعز الدولة قبل الملك الرحيم  .

قال ابن الأثير: كان عماد الدولة أمير الأمراء، فلما مات صار أخوه ركن الدولة أمير الأمراء أما أخوهما الأصغر أحمد الملقب بمعز الدولة فقد كان أمير العراق منذ عهد أخيه علي عماد الدولة، وكان هو المستولي على الخلافة، قال السيد مير علي في «مختصر تاريخ العرب لم يلبث معز الدولة أن اضطر الخليفة إلى أن يقلده السلطة، كما نقش اسمه على العملة، وذكر اسمه مقروناً باسم الخليفة في خطبة الجمعة، وكان موقفه من الخليفة كموقف تشارل مارتيل من ملوك فرنسا، إذ كان هو الحاكم الحقيقي، وكان الخليفة لا حول له، ولا قوة، مجرداً من كل سلطة، وليس له من الشؤون غير قبض المخصصات، وقدرها خمسة آلاف دينار من خزينة الدولة، وكان معز الدولة محباً للفنون والعلم. وهو الذي جعل اليوم العاشر من المحرم يوم حزن لذكرى موقعة كربلاء أن معز الدولة عزم على عزل الخليفة العباسي، ومبايعة محمد بن يحيى الزيدي العلوي، فمنعه الصيمري من ذلك وتوفي معز الدولة في ملك أخيه ركن الدولة سنة 356، قال ابن الأثير: «وفي هذه السنة ابتدأ معز الدولة في بناء المارستان، وأرصد له أوقافاً جزيلة، وأظهر التوبة، وتصدق بأكثر أمواله، وأعتق مماليكه، ورد شيئاً كثيراً على أصحابه، وكانت إمارته 21 سنة و11 شهراً ويومين، وكان حليماً كريماً عاقلاً أما اخوة ركن الدولة الحسن بن بويه فدامت إمارته أربعاً وأربعين سنة، وزاد عمره على السبعين، وقال آدم متز في الحضارة الإسلامية أما ركن الدولة فقد كان حليماً واسع الكرم، حسن السياسة لرعاياه وجنده، رؤوفاً بهم، بعيد الهمة، يتحرج من الظلم، ويمنع أصحابه منه، وقد أثنى المؤرخون على(1).

_________________________________

1. القزويني، زكريا بن محمد بن محمود (ت 682هـ/ 1283م ، ص 59.

 

ثالثا :- حكم عضد الدولة قبل الملك الرحيم .

كان عضد الدولة يمثل السيد الحاكم تمثيلاً حقيقياً، وقد خضعت لسلطانه البلاد الممتدة من الخزر إلى كرمان وعمان، فلا بدع أن يلقب بشاهنشاه (ملك الملوك) لأول مرة في الإسلام، وقد ظل هذا اللقب لمن جاء بعده من ملوك الفرس وكان يعنى بمعرفة الأخبار وسرعة وصولها، شأن كل من يريد أن يحكم دولة كبيرة حكماً صحيحاً، فكان يسأل عن الأخبار الواردة، فإن تأخرت عن وقتها قامت قيامته، وكانت الأخبار تصل من شيراز إلى بغداد في سبعة أيام، أي أنها تقطع في كل يوم ما يزيد على مائة وخمسين كيلومتراً وقد أحكم نظام الجاسوسية، فكان يبحث عن أشراف الملوك، وينقب عن سرائرهم، وكانت أخبار الدنيا عنده، حتى لو تكلم إنسان بمصر وصل إليه الخبر، وأن رجلاً بمصر ذكره بكلمة، فاحتال، حتى جاء به، ووبخه عليها، ثم رده إلى مكانه، فكان الناس يحترزون في كلامهم وأفعالهم من نسائهم وغلمانهم وقد طهر السبل من اللصوص، ومحا أثر قطاع الطريق، وقد دس على اللصوص في إحدى القوافل بغلاً يحمل حلوى مسمومة، فأكلوا منها فهلكوا، وكانت هذه أعظم مكيدة، وأعاد النظام إلى صحراء جزيرة العرب، وصحراء كرمان، وكانت مخيفة، وكان سكانها يضعون الضرائب على قوافل الحج، فارتفعت، وتحقق الأمن، وأقام للحجاج السواقي في الطريق، واحتفر لهم الآبار، واستفاض الينابيع، وأدار السور على مدينة الرسول، وأمر بعمارة منازل بغداد وأسواقها وابتدأ بالمساجد الجامعة، وكانت في نهاية الخراب، وهدم ما كان مستهدماً بنيانها وأعادها جديدة قوية، والزم أرباب العقارات بالعمارة، فمن قصرت يده أقرضه من بيت المال(1).

________________________________

1. لقشندي، أبو العباس أحمد بن علي ، ت 821هـ/ 1418م، ص 91.

 

وكانت الأنهار ببغداد قد دفنت مجاريها، وعفيت رسومها، فأمر بحفرها من جديد، وأقام القناطر والجسور، وعُملت عملاً محكماً، وحضّر كثيراً من أهل البادية، فزرعوا وعمروا البرية، ومع هذا لم تكن العراق مركز الدولة، بل كان مركزها في فارس، وبنى سوقاً للبزازين (تجار الأقمشة) وكان ينقل إلى بلاده ما لا يوجد فيها من الأصناف، وشيد مارستاناً كبيراً ببغداد، وأمر بإدرار الأرزاق على قوّام المساجد والمؤذنين وأئمةالصلاة، والقراء، وإقامة الجرايات لمن يأوي إليها من الغرباء والضعفاء، وتجاوزت صدقاته أهل الإسلام إلى أهل الذمة، وأذن للوزير في عمارة البيع لليهود، والأديرة للنصارى، وإعطاء الأموال لكل محتاج، وإن لم يكن مسلماً وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم على الضعفاء والأرامل، ويصرف كل سنة ثلاثة آلاف دينار ثمن أحذية للحفاة من الحجاج، وعشرين ألف درهم كل شهر لتكفين الموتى، واستحدث ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء، ولم يمر بماء جار إلا بنى عنده قرية، وكان ينفق على أهل مكة والمدينة وطرقهما ومصالحهما مائة ألف دينار كل سنة، وكان يبذل مالاً كثيراً على عمارة المصانع، وتنقية الآبار، ويعطي سكان المنازل التي في الطرقات، ليقدموا العلف لدواب المسافرين وكان يحب العلم والعلماء، ويجري الأرزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، والمفسرين والنحاة والشعراء، والنسابين والأطباء، والحساب والمهندسين، وأفرد لأهل الاختصاص من العلماء والحكماء موضعاً يقرب من مجلسه، وأنشأ مكتبة تحتوي على كل كتاب صنف إلى وقته من جميع أنواع العلوم(1).

 

__________________________________

1.المصدر السابق ، ص 84.

 

الفصل الثاني

المبحث الثالث  

اولا :- احداث حكم الملك الرحيم البويهي .

ولما ولي بهاء الدولة نازعه عمه فخر الدولة بن عضد الدولة، ثم عمه صمصام الدولة، ووقعت بينهما حروب دامية، وتوزعت المملكة بين الجميع، وقتل صمصام الدولة سنة 388. ومات بهاء الدولة سنة 403، وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين، فدفن هناك، وكان عمره 42 سنة، وبضعة شهور، ودام ملكه 24 سنة، وولي بعده ولده أبو شجاع سلطان الدولة.

ثانيا :- ما حدث في فترة حكم سلطان الدولة.

ولما ملك سلطان الدولة ولى أخاه أبا طاهر الملقب بجلال الدولة البصرة، وأخاه الثاني أبا الفوارس بلاد كرمان، وأخاه الثالث مشرف الدولة العراق، وأقام هو في شيراز وبعد أمد خرج عليه أخوه أبو الفوارس، وأراد انتزاع الملك منه، ولكن سلطان الدولة تغلب عليه، وعفا عنه، وأيضاً خلعه أخوه مشرف الدولة، وأزال ملكه عن العراق، وخاطبه الناس بشاهنشاه، وانضم إليه أخوه جلال الدولة، وكان ذلك سنة 411، وفي سنة 413 اتفقا، وحلف كل منهما للآخر على أن تكون العراق لمشرف الدولة، وفارس لسلطان الدولة وفي سنة 415 مات سلطان الدولة، فتولى بعده ابنه أبو كاليجار، ودارت حروب بينه وبين عمه أبي الفوارس انتهت بالصلح ببقاء العراق بيد مشرف الدولة دون منازع، وفارس لأبي كاليجار وفي سنة 416 مات مشرف الدولة وتولى بعده على العراق أخوه جلال الدولة. قال ابن الأثير(1).

________

صور مرفقة






أخبار متعلقة
مشاركة الخبر
التعليق بالفيس بوك
التعليقات
استطلاع رأى

عدد الأصوات : 0

أخبار
معلومات قد تهمك